مع تسارع وتيرة التحضيرات لانتخاب الرئيس الاتحادي الجديد، تتجه بوصلة المشهد السياسي الألماني نحو محطة تاريخية غير مسبوقة؛ فبينما تتواصل الولايات الاتحادية في تسمية مندوبيها البارزين—وعلى رأسهم المستشارة السابقة أنغيلا ميركل—حسم المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس الجدل الدائر في الكواليس، معلنًا بشكل قاطع أن امرأة ستخلف الرئيس الحالي فرانك فالتر شتاينماير في قصر “بيلفو” الذي يُعاد ترميمه الآن.
ميركل وفريدمان ضمن قائمة ممثلي الولايات في انتخابات الرئاسة
جاء التطور الأحدث في هذا المسار عبر إعلان فرع الحزب الديمقراطي المسيحي (CDU) في ولاية شليسفيغ-هولشتاين عزمه إيفاد المستشارة السابقة أنغيلا ميركل عضوًا ومندوبة في “الجمعية الاتحادية” (Bundesversammlung)، الهيئة الدستورية المنوط بها انتخاب رئيس البلاد.
ولا يعد هذا الاختيار مجرد إجراء رمزي لميركل؛ إذ كانت المستشارة السابقة قد دعت بشكل علني مؤخرًا للمطالبة بكسر الاحتكار التاريخي للمنصب، مؤكدة في مقابلة إعلامية عبر منصة “MagentaTV”: “يمتد تاريخ جمهورية ألمانيا الاتحادية على مدى 77 عامًا، ولم تشغل امرأة قط منصب الرئيس الاتحادي.. على الجميع أن يسأل نفسه اليوم: ألم يحن الوقت بعد؟”.
ويأتي ترشيح ميركل هذه المرة بدعم من ولاية مجاورة، بعدما كان فرع الحزب في ولاية مكلنبورغ-فوربومرن قد رشحها سابقًا في عام 2022، قبل أن يفقد تمثيله النيابي في برلمان الولاية الأخير، مما أسقط حقه في التسمية. وعن هذه الخطوة، أوضح توبياس كوخ، رئيس الكتلة البرلمانية للحزب في شليسفيغ-هولشتاين: “عقب خروج كتلة الحزب من برلمان شفيرين، بادرنا كجيران، بكل سرور واقتناع تام، بتولي مهمة تسمية السيدة ميركل”.
وإلى جانب ميركل، تضم قائمة ممثلي الولاية الشمالية شخصيات وازنة، من بينها وزيرة التعليم الاتحادية كارين برين، ورئيس وزراء الولاية دانييل غونتر.
وفي المقابل، دفع الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) في ولاية هيسن باسم بارز آخر هو ميشيل فريدمان (70 عامًا)، النائب السابق لرئيس المجلس المركزي لليهود في ألمانيا. واعتبر ماتياس ميرش، رئيس الكتلة البرلمانية للاشتراكيين في البوندستاغ، أن اختيار فريدمان يمثل رسالة سياسية بليغة؛ إذ يقف دفاعًا عن الديمقراطية الليبرالية في وجه تصاعد معاداة السامية والعنصرية.
ميرتس يحسم موقفه: الرئيسة القادمة امرأة
تزامن هذا الحراك في الولايات مع خروج المستشار الاتحادي فريدريش ميرتس عن صمته الطويل؛ إذ قطع الشك باليقين بشأن هوية الرئيس القادم خلال مؤتمر مغلق لرؤساء فروع حزبه في برلين. ونقلت وكالات الأنباء عن ميرتس تأكيده للمجتمعين: “لقد حسمت أمري في هذه المسألة؛ يجب أن تكون امرأة.. سأقترح على الحزب مرشحة مشتركة تمثل تيار الوسط السياسي”. إعلان ميرتس أزاح الستار عن تكهنات استمرت لأشهر؛ فرغم تعاطف ميرتس المبكر مع فكرة وصول أول امرأة إلى سدة الرئاسة، فإنه تجنب طويلًا اتخاذ موقف صريح.
ورغم أن المستشار لم يكشف عن اسم محدد خلال الاجتماع، فإن بورصة الترشيحات باتت تشهد منافسة محتدمة داخل أروقة اليمين الوسط. فبينما يطرح الحزب المسيحي الاجتماعي البافاري (CSU) اسم رئيسة برلمان بافاريا إيلزه آيغنر، مستندًا إلى دعم محتمل من أوساط الاشتراكيين والخضر، يتمسك ميرتس بأن حق المبادرة والاقتراح يعود لحزبه (CDU) بصفته القوة الأكبر برلمانيًا.
وتبرز داخل صفوف الحزب الديمقراطي المسيحي أسماء قيادية قوية، من بينها رئيسة البرلمان (البوندستاغ) يوليا كلوكنر، ووزيرة التعليم كارين برين، وزعيمة الحزب ووزيرة الدفاع السابقة أنيغريت كرامب كارينباور، بالإضافة إلى رئيسة الكتلة البرلمانية في هيسن إينيس كلاوس.
وفي المقابل، يضع هذا الموقف حداً عملياً للتكهنات بشأن ترشيح شخصيات رجالية، من بينها رئيس وزراء ولاية هيسن بوريس راين، ورئيس المحكمة الدستورية شتيفان هاربارث، والقاضي الدستوري السابق أودو دي فابيو
مشاورات سياسية بحثاً عن دعم واسع
تتجه الأنظار مطلع الأسبوع المقبل إلى اجتماعات الهيئات القيادية للحزب المسيحي الديمقراطي، حيث يُتوقع صدور قرار أولي يعقبه تشاور موسع مع الحليف البافاري (CSU) للخروج بمرشحة موحدة للاتحاد المسيحي.
ولن تقف الاتصالات عند هذا الحد؛ إذ تفيد الدوائر المقربة من المستشار بأن المشاورات ستتوسع فورًا لتشمل الشريك في الائتلاف الحكومي، الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وحزب الخضر المعارض، لضمان انتخاب المرشحة بأغلبية وازنة تعكس إجماعًا واسعًا.
يُذكر أن الجمعية الاتحادية—التي تتألف مناصفة من 630 نائبًا في البوندستاغ و630 مندوبًا تنتخبهم برلمانات الولايات—تمتلك فيها أحزاب الائتلاف أغلبية مريحة تفوق 50 صوتًا، مما يجعل الطريق ممهدًا لعبور أول امرأة في تاريخ ألمانيا الاتحادية إلى أعلى منصب بروتوكولي في البلاد.