كشفت دراسة حديثة نشرها موقع “ميغازين” (Migazin) استناداً إلى بيانات معهد بحوث سوق العمل والمهن (IAB)، عن مفارقة هيكلية في سوق العمل الألماني؛ فبرغم الاختلاف الجذري في المستويات التعليمية بين لاجئي عام 2015 (وأغلبهم من سوريا ودول غير أوروبية) واللاجئين الأوكرانيين بدءاً من عام 2022، ينتهي المطاف بكلا المجموعتين في قطاعات الأجور المتدنية ذاتها.
فخ القطاعات الدنيا والتمييز المنهجي
أظهرت الدراسة أن المؤهلات الأكاديمية العالية لا تحمي اللاجئ من الانخراط في مجالات ذات دخول منخفضة، مثل عمالة المياومة، والأمن، وتنسيق الحدائق، والضيافة. ويُعزى ذلك بشكل رئيسي إلى عقبات اللغة وتعقيدات معادلة الشهادات. والأكثر إثارة للانتباه، هو تأكيد التقرير استناداً إلى دراسات تجريبية، أن المتقدمين المسلمين للوظائف يواجهون فرصاً أسوأ بشكل منهجي مقارنة بغيرهم، حتى مع تساويهم في المؤهلات، مما يحد من فرصهم في الوصول إلى الشركات الكبرى التي تقدم أجوراً مرتفعة ومسارات ترقٍ وظيفي.
إهدار الكفاءات بلغة الأرقام
تتقاطع هذه النتائج بشكل وثيق مع تقرير صادر عن “مؤسسة بيرتلسمان”، والذي يؤكد أن ألمانيا تعتمد بشكل حيوي على العمالة الأجنبية التي باتت تشكل 17% من إجمالي العاملين. ورغم هذا الاعتماد لسد العجز الديموغرافي، يُسجل إهدار واضح للكفاءات.
ويعتبر إهدار الكفاءات من الإشكاليات الكبرى التي يعاني منها سوق العمل الألماني، إذ تنخرط العمالة الأجنبية غالباً في وظائف تقل عن مستوى مؤهلاتها الحقيقية. ففي حين يعمل 12% فقط من الألمان كـ “عمال مساعدين”، تقفز النسبة إلى 36% بين الأجانب، وتلامس 45% بين اللاجئين.
حتى بين حملة الشهادات المهنية المعترف بها، يُوظف الأجانب بكثرة كعمال مساعدين، مما يقلص من إنتاجية كفاءاتهم ويحرمهم من الدخل اللائق (ينطبق هذا على 29% من الأجانب و31% من اللاجئين ذوي الشهادات). ويمتد الأمر ليشمل حملة الشهادات الجامعية؛ حيث يعمل 12.5% من الأجانب و19.5% من اللاجئين الأكاديميين في وظائف مساعدة.
تباين جندري وتراجع إيجابي في الإعانات
تبرز تحديات إضافية عند تحليل الأرقام من منظور جندري؛ فبينما يحقق الرجال اللاجئون معدلات توظيف مرتفعة تصل إلى 73% (متجاوزين المتوسط الوطني للرجال الألمان البالغ 70%)، تقبع النساء اللاجئات عند نسبة 31% فقط، مما يستدعي توفير رعاية أفضل للأطفال لدمجهن مهنياً.
على الجانب الإيجابي، أظهرت البيانات تراجعاً ملموساً في الاعتماد على إعانات الضمان الأساسي (Bürgergeld) بين القادمين من دول اللجوء، حيث انخفضت النسبة من 58.2% في عام 2020 إلى 39.6% حالياً، مما يعكس رغبة حقيقية في الانخراط بسوق العمل.
حلول مقترحة لكسر الجمود
وفي إطار السعي لإيجاد حلول وتجتوز هذه العقبات التي تضر بالاقتصاد الألمانية الباحث عن العمالة الماهرة، يطالب خبراء في الدراستين باتخاذ خطوات عملية، من أبرزها، نظام النافذة الواحدة، لتبسيط الإجراءات الحكومية والتنسيق بين دوائر الأجانب ووكالات العمل. كما يرى الخبراء ضرورة الإسراع بالاعتراف بالشهادات، من خلال تسريع آليات تقييم الخبرات الأجنبية والاستعاضة عن الوثائق المفقودة باختبارات كفاءة عملية. ولحل عقبة اللغة يرى الخبراء أنه من الضروري ربط دورات اللغة بالتأهيل المهني الموازي وتوفير التمويل المستدام لها.