Skip to main content

انتقادات حادة لوزير الداخلية لاتهامه المهاجرين بإثارة الشغب

©Fabian Sommer/dpa
©Fabian Sommer/dpa

هل تتحمل “أوساط المهاجرين” مسؤولية أعمال العنف التي وقعت مطلع الأسبوع خلال وبعد المظاهرات الطلابية؟ لا تزال تصريحات وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت، التي أرجع فيها العنف وبشكل علني ومباشر إلى “أوساط المهاجرين”، تواجه انتقادات واسعة النطاق، غير أن الوزير يؤكد تمسكه بعباراته ويرفض التراجع عنها.

إذ رفض وزير الداخلية الاتحادي الانتقادات الموجهة إليه نتيجة تصريحاته بشأن الاضطرابات التي أعقبت احتجاجات شبابية شهدتها ألمانيا خلال عطلة نهاية الأسبوع. وقال السياسي المنتمي إلى الحزب المسيحي الاجتماعي (CSU)، في كلمة ألقاها أمام المؤتمر العام لنقابة الشرطة (GdP) في برلين، إنه لا يستطيع وصف ما رآه من نزعة إلى العنف في الشوارع بغير ذلك.

وأضاف دوبريندت: “إنهم مثيرو فوضى، ويمكن مناقشة كيفية توصيفهم تفصيلاً؛ فهل هم مثيرو فوضى من أقصى اليسار، أم من أقصى اليمين، أم إسلاميون، أم فوضويون من خلفيات مهاجرة؟”.

وشدد الوزير على أنه عندما يعتدي “مثيرو الفوضى” على عناصر الشرطة، فإن الواجب يقتضي الوقوف في الجانب الصحيح وحماية قوات الأمن، مطالباً بمزيد من التقدير والاعتراف بجهود الشرطة التي قال إنها أدارت عملياتها “بمهنية بالغة”. كما نفى الاتهامات القائلة بأن عنف الشرطة أسهم في تأجيج التصعيد.

تبرؤ المنظمين واتساع رقعة الشغب

وكانت احتجاجات شبابية واسعة دعت إليها حركة “GenZ regelt” (جيل زد يتولى زمام الأمور) في عموم ألمانيا قد شهدت، يوم السبت، خروج عشرات الآلاف في مسيرات سلمية إلى حد كبير وفقاً للجهات الرسمية، قبل أن تتطور الأمور لاحقاً إلى اشتباكات وأعمال شغب في مدن عدة من بينها فرانكفورت وكولن وبرلين وهامبورغ. وسارع منظمو الاحتجاجات الشبابية إلى إعلان تبرؤهم من مرتكبي أعمال العنف.وأثارت تصريحات دوبريندت بشأن ربط المتورطين بأصول مهاجرة سجالاً محتدماً ومخاوف متواصلة من إطلاق أحكام تعميمية مسبقة.

انتقادات حادة من الخضر والاشتراكيين

في هذا السياق، أعربت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر في البوندستاغ، بريتا هاسلمان، عن رفضها لمصطلح “أوساط المهاجرين”، معتبرةً أنه من الخطأ وصم الأشخاص من ذوي الخلفيات المهاجرة — الذين يشكلون قرابة ثلث السكان — بأنهم يمثلون مشكلة. وأضافت: “أخشى أن يشعر هؤلاء بأنهم مستهدفون رغم أنهم ليسوا المعنيين”، مشيرة إلى أن دوبريندت يبعث بذلك إشارة انقسام ونبذ، مؤكدة: “هذا الرد لا يمكن اعتباره ملائماً أو مقبولاً بأي حال”، مع تشديدها في الوقت ذاته على ضرورة الملاحقة الجنائية حيثما لزم الأمر.

كما أبدى وزير الدفاع بوريس بيستوريوس معارضته لتصريحات دوبريندت؛ وقال السياسي المنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPD) في مقابلة مع القناة الثانية الألمانية (ZDF): “ما هي الجماعات المهاجرة أصلاً؟ هل نقصد بها أشخاصاً ينتمون إلى الجيل الثالث في ألمانيا ويحملون الجنسية الألمانية؟ أين نضع حداً لهذا التمييز؟”. من جانبه، صرح نائب رئيس الكتلة البرلمانية للاتحاد المسيحي، نوربرت روتغن (CDU)، لقناة “إن تي في” (n-tv)، بأن العديد ممن ارتكبوا أعمال العنف كانوا بالفعل “إما أجانب أو ألمان من أصول أجنبية”، محذراً في الوقت ذاته من التعميم: “لا توجد في ألمانيا بيئة واحدة جامعة للمهاجرين”.

تأييد حزبي ودفاع من نقابة الشرطة

في المقابل، دافعت الأمينة العامة للحزب الديمقراطي المسيحي (CDU)، فرانزيسكا هوبرمان، عن دوبريندت؛ وصرحت لقناتي “آر تي إل” و”إن تي في” قائلة: “إذا نظر المرء إلى الصور ومقاطع الفيديو، فسيدرك بوضوح أنها ترتبط أيضاً بأوساط محددة من المهاجرين”، معتبرة أن أعمال الشغب التي تلت التظاهرات تكشف بجلاء عن وجود أزمة اندماج.

كما تبنت نقابة الشرطة الموقف ذاته؛ إذ نقلت صحيفة “بيلد” عن أندرياس روسكوف، رئيس قطاع الشرطة الاتحادية في النقابة، قوله: “إن زملاءنا الذين خاطروا بأنفسهم دفاعاً عن دولة القانون وقاموا بواجبهم باحترافية تامة، يؤكدون في تقاريرهم وجود هذه الفئات المحددة من الجناة”.

غير أن رئيس نقابة الشرطة، يوخن كوبلكه، رأى أن الجدل حول أصول الجناة أو لون بشرتهم أمر غير مجدٍ. واعترف في حديث لإذاعة “دويتشلاند فونك” بأن التعميم وتشويه فئات مجتمعية بأكملها يضر بتلك الفئات، متسائلاً في الوقت عينه عن التوصيف البديل: “هؤلاء هم من تظهرهم الصور الميدانية”، مشيراً إلى أن المجتمع عاجز حتى الآن عن إيجاد سبل للتعاطي أو تقديم إجابات لهذه الظاهرة الجنائية.

جدل حول حظر التظاهرات وموقف معارض

وعلى الصعيد السياسي والمحلي، شكك وزير داخلية ولاية هيسن، رومان بوزيك (CDU)، في إمكانية السماح بفعاليات أخرى أعلنت عنها حركة “GenZ regelt”، في حين لم يستبعد عمدة شتوتغارت، فرانك نوبر (CDU)، فرض حظر على التجمعات المستقبلية.

في المقابل، رفض رئيس وزراء ولاية بادن-فورتمبيرغ، جيم أوزديمير، تقييد حق التظاهر، مؤكداً أن حظر التجمعات ليس الحل؛ وقال القيادي في حزب الخضر: “نحن ندافع عن حق التظاهر”، داعياً في الوقت ذاته إلى التعقل، ومشدداً على أن اللجوء إلى العنف والتخريب أمر مرفوض تماماً.

“اليسار” يطالب بجلسة برلمانية طارئة

من جهته، وجه حزب اليسار (Die Linke) انتقادات حادة لتعامل الشرطة مع الاحتجاجات، معلناً التقدم بطلب لعقد جلسة نقاش طارئة في البوندستاغ يوم الجمعة المقبل. وقالت رئيسة الكتلة البرلمانية للحزب، هايدي رايشينيك: “إن المشاهد والتقارير التي وردتنا عن استخدام الهراوات والغاز المسيل للدموع ومحاصرة المتظاهرين صادمة للغاية”، مطالبة بـ”فتح تحقيق عاجل وتقييم شامل لما جرى”.

وأوضحت رايشينيك أن الجلسة البرلمانية المرتقبة يجب أن تناقش القضايا والمطالب التي خرج من أجلها الشباب، مشيرة إلى أن التحذيرات الاستباقية من اندلاع شغب — بالاستناد إلى ما شهدته فرنسا — أدت إلى “تجريم” الحراك الشبابي برمته منذ البداية، بدلاً من التعاطي بجدية مع “المخاوف المشروعة، والقلق، والغضب الذي يعتمل في نفوس هؤلاء الشباب”.

غياب الإحصاءات الرسمية وانتقادات لتسييس ملف الهجرة

في المقابل، واجهت المقاربة الحكومية انتقادات حادة من باحثين ومؤسسات إعلامية متخصصة؛ إذ كشفت تقارير صحفية استندت إلى بيانات رسمية عن غياب إحصاءات جنائية دقيقة على المستوى الاتحادي تُثبت أصول المشتبه بهم، وسط تأكيدات أمنية محلية — لا سيما في فرانكفورت — بأن معظم الموقوفين يحملون الجنسية الألمانية، ما جعل الاتهامات قائمة فقط على “انطباعات بصرية” ومقاطع مصورة.

وانتقد خبراء بارزون في شؤون النزاعات والاحتجاج، من بينهم الباحث سيمون توينه وعالم الاجتماع أندرياس تسيك، لجوء الساسة إلى مصطلح “أوساط المهاجرين”، واصفين إياه بتوصيف فضفاض يكرس صوراً نمطية تربط الهجرة بالعنف بصورة تعسفية. وأوضح الباحثون أن أحداث الشغب لا يمكن اختزالها في بُعد إثني، إذ تداخلت فيها دوافع متباينة شملت أعمال تخريب فردية، وتحركات لمجموعات راديكالية، واستفزازات من اليمين المتطرف.

ورأى محللون وحقوقيون أن حصر النقاش في ملف الاندماج يمثل محاولة سياسية لصرف الأنظار عن الأسباب الجوهرية للاحتجاج، وتجاهلاً للأزمات البنيوية التي دفعت الشباب إلى النزول للشارع، وفي مقدمتها ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور المنظومة التعليمية وتردي آفاق المستقبل للجيل الصاعد.

أمل باللغة الألمانية

يلا