Skip to main content

حين تصبح كرة القدم صندوق اقتراع مؤقتاً

جمهور عربي يشجع في مباراة كرة قدم كرة القدم والسياسة في العالم العربي
Foto: Privat
جمهور عربي يشجع في مباراة كرة قدم كرة القدم والسياسة في العالم العربي Foto: Privat

من نشجع ولماذا لم يعد السؤال رياضياً

أول لاعب عرفت اسمه كان مارادونا. وأول فريق شجعته كان فرنسا في نهاية التسعينات، حين كان زيدان يصنع المستحيل. وفي 2007 دخل المنتخب الألماني إلى قائمة فرقي المفضلة. كنا نختار فريقاً لأن لاعباً شدّنا، أو لأن مباراة بقيت في الذاكرة. أما الآن، فكثير من المشجعين يحسمون أمرهم قبل صافرة البداية. ليس لأنهم يعرفون كثيراً عن الفريقين، بل لأنهم يعرفون جيداً ضدّ من يريدون أن يشجعوا. هكذا تتحول كرة القدم، أحياناً، من لعبة إلى متنفس سياسي في عالم عربي مثقل بالقمع والصراعات المفتوحة.

عشق منذ الطفولة بدأ قبل نصف ساعة

من أكثر ما لخّص هذه الظاهرة كان مباراة منتخب الرأس الأخضر، حين كانت المباراة مصيرية للتأهل. في تلك اللحظة وُلدت علاقة “تاريخية” بين كثير من المشجعين العرب ومنتخب لم يسمعوا به من قبل. ارتدى بعضهم قميصه في علاقة عمرها تسعون دقيقة. كتب أحدهم بحماس على منصة إكس: “منتخب الرأس الأخضر عشق منذ الطفولة.” وعندما سُئل عمّا يعرفه عن دولة الرأس الأخضر أجاب: “ولا حاجة. أول مرة أسمع عنها اليوم.” وهذه ربما أجمل جملة تلخص علاقة السياسة بكرة القدم: عشق منذ الطفولة بدأ قبل نصف ساعة فقط.

السخرية العربية لا تحتاج إلى استوديو تحليلي

في مباراة مصر وإيران، كتب مشجع مصري ساخراً من لاعب إيراني ضيّع ركلة الجزاء ثم سجّل هدفاً أُلغي بالتسلل: “ضيّع ركلة جزاء، وجاب جول طلع تسلل… الواد ده الحسين مش راضي عليه.” تعليق واحد فيه كرة قدم وVAR ورمز ديني وقفشة مصرية لا تحتاج إلى استوديو تحليلي. وفي مباراة العراق والنرويج، علّق مشجع يمني ساخراً: جمهور النرويج استحضر روح الفايكنج بالطبول والتجديف وكأنها غزوة، بينما كان العراقيون يصرخون: “يا علي مدد.” تعليق واحد يختصر ثقافتين في تسعين دقيقة.

تسعون دقيقة يصوّت فيها من لا يملك صوتاً

في اليمن، داخله وخارجه، كان لافتاً أن كثيرين شجّعوا أي فريق يلعب ضد المنتخب السعودي. لم يكن الاعتراض على اللاعبين، بل على دور الرياض في سنوات الحرب. هنا منحت المباراة بعض اليمنيين تسعين دقيقة شعروا فيها أنهم صوّتوا، ولو بالإيموجي. وقال شاب يمني يعيش في مناطق سيطرة الحوثيين الموالين لإيران: “اليوم فرصة نقول رأينا في إيران دون أن يترتب على ذلك اعتقال. اشتموها وقت المباراة، لا تفوتكم الفرصة.” هنا توقفت النكتة قليلاً، وظهرت السياسة من تحتها.

الأطفال يرون الكرة، ونحن نرى الخريطة

تذكرت ابن صديقتي، أحمد عدنان، ثماني سنوات. يتحدث عن الفرق واللاعبين بحماس طفل يحمل أرشيفاً رياضياً صغيراً في رأسه. سألته عمّن يشجع في كأس العالم فقال: البرتغال. لديه فيديوهات وصور وزيّ كامل. يشجع لأنه يحب، لا لأنه يرفض. أحمد يرى البرتغال وريال مدريد واللقطات الجميلة. أما نحن فنرى الحرب، والنفوذ، والتاريخ، والخبر العاجل الذي لم يغادرنا حتى أثناء المباراة.

أمل باللغة الألمانية

يلا