Skip to main content

“ساعتان تكفيان للعيد” هكذا ردّت ابنتي على معلمتها الألمانية

الروائي الليبي محمد الأصفر خلال مشاركته في صلاة العيد بمدينة بون الألمانية. (Foto: Private)
الروائي الليبي محمد الأصفر خلال مشاركته في صلاة العيد بمدينة بون الألمانية. (Foto: Private)

للمسلمين عيدان رئيسيان يحتفلون بهما في شتى بقاع العالم الإسلامي. وتتولى وزارة الشؤون الدينية أو مفتي الديار في كل بلد تحديد موعد العيد استنادًا إلى ثبوت رؤية الهلال من عدمه. وهنا تبرز الاختلافات بين الدول في تحديد أول أيام عيد الفطر (والذي يسميه الألمان “عيد السكر”)؛ فقد تعلن دولة ما حلول العيد في يوم، بينما تؤجله جارتها إلى اليوم التالي. أما في عيد الأضحى، فإن كلمة الدول الإسلامية تجتمع على قلب رجل واحد في تحديد موعده، إذ يرتبط بتوقيت مناسك الحجاج في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ فمع تدفق الحجيج وصعودهم إلى جبل عرفات، تبدأ احتفالات المسلمين أينما كانوا.

عيد الفطر.. عندما تستعرض الأنظمة نفوذها

إن التباين في تحديد أول أيام عيد الفطر أو غرة شهر رمضان يخضع أحيانًا لتجاذبات السياسة وعناد القادة في بعض البلدان. فإذا أعلنت دولة ما أن العيد يحل “بعد غد”، أعلنت دولة أخرى – نكاية بها – أن العيد “غدًا”. وفي غمرة هذا المناكفة، لا يملك المفتي إلا الانصياع للحاكم وإعلان الغد أول أيام عيد الفطر المبارك.

واللافت أن هذا العناد قد يلقي بظلاله حتى على المساجد والمراكز الدينية في بلاد الاغتراب؛ ففي مدينة “بون” الألمانية على سبيل المثال، لا يفصل بين المسجدين أكثر من عشرة كيلومترات، ومع ذلك يعلن كل منهما موعدًا مختلفًا للعيد محاكاةً لما يحدث في الدول العربية. وهنا يتساءل المرء مستغربًا: هل يظهر الهلال في حي “باد غودسبيرغ” ويختفي في ضاحية “بويل”؟ هو مشهد يبعث على الابتسام الساخر من حماقة لم تجد من يداويها.

وفي خضم هذا الشقاق العربي حول رؤية الهلال، يقف المسلم المغترب حائرًا؛ أيتعبد في هذا المسجد أم ذاك؟ أم يعتزل الصلاة حتى يتحد المسلمون دينيًا؟ أم يتبع موعد بلده الأم الذي يبعد عنه آلاف الكيلومترات، والغارق هو الآخر في صراع العناد واستعراض القوة لتحديد يوم العيد؟ بلد يحتفل اليوم، وجار يحتفل غدًا.

وفي نهاية المطاف، لا يسعك إلا الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، الذي يبدو بريئًا تمامًا – للمفارقة – من خلافات العرب حول رؤية الهلال؛ إذ تخضع التلسكوبات والمراصد العلمية الدقيقة لرؤية شيخ أنهكه المرض، يقسم جاهدًا أنه رأى الهلال، بينما لا يحتاج التلسكوب إلى قسَم، فبرهانه ساطع لكل ذي عقل لبيب.

استعد للعيد

تستخرج ثيابك التقليدية الأنيقة والمضمخة بالطيب، تلك التي حملتها معك يوم غادرت وطنك، أو أوصيت صديقًا بجلبها لك. جلباب عربي أصيل تعلوه طاقية حمراء قانية كالدم إن كنت من أهل المشرق، أو سوداء كالقير إن كنت من مغرب الأرض. لباس يليق بصلاة الجمعة وبالمناسبات الاجتماعية القليلة، كحفل زفاف أو اجتماع لجمعية خيرية ألمانية-عربية، حيث تبتغي إبراز هويتك من خلال المأكل والمشرب والملبس، والتحف المصنوعة من سعف النخيل وعشب الحلفاء.

تتوجه مبكرًا إلى المسجد القريب من بيتك لأداء صلاة العيد ودفع زكاة الفطر. ونظرًا للأعداد الغفيرة من أبناء الجالية الإسلامية الذين يتدفقون لأداء الصلاة، يضيق بهم المسجد الصغير الذي لا يكاد يتسع لألف مصلٍّ. بيد أن لجنة المسجد تتدارك الأمر مبكرًا؛ فتستأجر ملعب كرة قدم قريب، وتفرش الحصائر البلاستيكية على عشبه الأخضر الناعم لاستيعاب جموع المصلين. ولعل رئيس لجنة المسجد قد أقنع رئيس النادي الرياضي بإعارة الملعب لمدة ساعتين قائلًا له: “إن مستطيلكم الأخضر سيتحول إلى بقعة مباركة، وكل مباراة تخوضونها عليه ستحمل لكم نصرًا يدفعكم نحو صعود دوري الدرجة الأولى”. إنها خطة “النية الطيبة” ذاتها التي اتبعها مدرب المغرب “الركراكي” في كأس العالم وحقق بها نجاحًا باهرًا؛ “لن تلج أي كرة شباك ناديكم يا كابتن هانس”. ورغم عدم قناعة رئيس النادي بالكامل، إلا أنه وافق؛ فحضور الآلاف للصلاة في الملعب أمر إيجابي يعزز شعبية النادي ويزيد من جماهيريته، ويكسبه سمعة طيبة لدى عمدة مدينة بون، كونه يؤدي دورًا اجتماعيًا وثقافيًا في دعم طموحات الاندماج.

يصلي الكثيرون على عشب الملعب، ويختزنون في وعيهم ذكريات ستنعكس لاحقًا على تفاصيل حياتهم اليومية وأفعالهم وأقوالهم. وسينال النادي حضورًا تاريخيًا وأدبيًا وصحفيًا بارزًا؛ إذ سيسميه المسلمون “نادي صلاة العيد”، ويطلقون على الشارع المطل عليه “شارع نادي صلاة العيد”. ساعتان من الصلاة والخطبة تكتبان فصلاً جديدًا في تاريخ ألمانيا.

ورغم ارتداء الثياب التقليدية، وأداء الصلاة، ودفع الزكاة، وتناول ما قسمه الله من حلوى وتمور، واحتساء العصائر والشاي والقهوة التي أعدتها لجنة المسجد للمصلين، فإن العيد يفقد بريقه ونكهته بمجرد مغادرة المصلى. يتفرق المصلون سراعًا فور تسليم الإمام: “السلام عليكم ورحمة الله”.

هذا يستقل الحافلة، وذاك يركب قطار الأنفاق، وآخرون يستقلون سياراتهم ويمضون. لتبقى أمامك تفاصيل الشارع الألماني الجاف، حيث تمضي الحياة بإيقاعها السريع المعتاد؛ سيارة إسعاف تهرع لتلبية نداء، وسيارة شرطة تتجه نحو بلاغ طارئ، وسيارات عادية تقف عند إشارة المرور..

إنه يوم عمل اعتيادي، المتاجر والأسواق مفتوحة، والدوائر الحكومية تعمل كالمعتاد. تلج مقهى بوسنيًا أو سوريًا، تطلب قهوة، فيمنحك صاحب المقهى قطعة “بقلاوة” مجانية بمناسبة العيد، ويعيد إليك بقية الخمسة يورو، فتتركها له كإكرامية. يقول لك: “من أعطاه الله، يعطي”، فترد عليه: “نعم، شكرًا على البقلاوة، وكل عام وأنت بخير”. تعود بعدها إلى شقتك الكئيبة لتهنئ عائلتك بالعيد، وتتناول “العصيدة” بزيت الزيتون ورب التمر أو العسل. لا أحد يطرق بابك ليهنئك بالعيد، ولا تشعر ببهجته، رغم أن المدارس تمنح الطلاب المسلمين رخصة للغياب بمناسبة العيد، شريطة تقديم عذر مكتوب يفيد بالاحتفال بمناسبة دينية إسلامية مهمة.

لماذا لا يكون العيد عطلة رسمية؟

تسألني ابنتي: “لماذا لا يكون عيد الفطر وعيد الأضحى عطلتين رسميتين كأعياد الألمان؟ أليس المسلمون هم الجالية الأكبر في ألمانيا بعد المواطنين المسيحيين؟ نحن نتغيب ونحتفل بأعياد الألمان، ويجب أن تكون المعاملة بالمثل. ينبغي أن يكون يوم عيد الفطر عطلة رسمية في جميع أنحاء ألمانيا، ليعرف كل ألماني سبب هذه العطلة، وتاريخها، وشهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، والفوائد الصحية والنفسية للصيام، وكيف يستشعر الصائم جوع المسلمين وغيرهم بقلب رحيم”.

أجيبها قائلاً: “هذا الأمر يبدو صعبًا في الوقت الراهن؛ فهذه البلاد تحكمها القوانين، وليست كبلداننا حيث يصدر الرئيس قرارًا فيُنفذ فورًا. هناك بادرات حسن نية من الألمان تجاه المسلمين؛ ألم تري الفوانيس واللوحات المضيئة التي رحبت بشهر رمضان في عدة مدن ألمانية دون أن يستنكرها أو يكسرها أحد؟ ألم تسمعي أذان الصلاة في أحد المساجد؟

هناك العديد من التسهيلات التي يمنحها أرباب العمل للمسلمين، كالإجازات في العيد، ووقت صلاة الجمعة، وتوفير معلمين للتربية الإسلامية في المدارس لحماية الطلاب من الانحراف والتطرف. ثمة جوانب إيجابية كثيرة يتعين علينا تقديرها؛ فالبلاد تحترمنا وتحترم ديننا ومعتقداتنا. لكن إقرار عطلة رسمية لعيدي الفطر والأضحى في عموم ألمانيا يتطلب وقتًا، ودراسات، وتقييمات من قبل الخبراء. لو فعلوا ذلك، لطالبت بقية الأديان والمذاهب التي تعيش في ألمانيا بعطل رسمية لأعيادها؛ البوذيون، والهندوس، والسيخ، وغيرهم. وحينها ستغرق ألمانيا في فوضى العطل والأنشطة، وستتوقف عجلة الإنتاج والنمو الاقتصادي بسبب كثرة الإجازات.

حاليًا، تستهلك الإجازات والعطل الرسمية أكثر من ثلث العام في ألمانيا، ولا تتجاوز أيام العمل الفعلي نحو 250 يومًا، وحتى هذه الأيام قد تتخللها عطل غير متوقعة بسبب رداءة الطقس، أو ارتفاع منسوب مياه الأنهار، أو الأوبئة التي تضطر وزارة الصحة معها لمطالبة الناس بالبقاء في منازلهم، فضلاً عن الإضرابات والمهرجانات (الكرنفالات). إن قرار منح عطل رسمية جديدة يتطلب دراسات متأنية ولا يأتي بغتة”.

أجواء الوطن عبر الأقمار الصناعية

تقول ابنتي: “لم يتبق لي سوى التلفاز لأعيش أجواء العيد؛ سأبحث عن القنوات الفضائية التابعة لبلدنا لنرى بهجة العيد ونستمع إلى أغانيه. نحن نعيش هنا بلا ذكريات؛ لقد وصلنا أطفالًا بذاكرة بيضاء، ولم نكن نعرف شيئًا عن أجواء العيد في وطننا، والتي تتحدث أنت وأمي عنها بكل فرح وسعادة وحنين”.

وعندما أدارت التلفاز وظهرت القناة الليبية، شاهدنا جانبًا من صلاة العيد، متبوعة ببرنامج للأطفال يبث الأغاني والبالونات وزيارة لحديقة الحيوان. كانت هناك لقطة لأطفال يقلبون سلحفاة على ظهرها، قبل أن يقفز قرد ماهر من أعلى الشجرة ويعيدها إلى وضعها الطبيعي. وكان أحد المغنين يصدح بحماس عبر الشاشة بأغنية: “معيدين وديما عيد.. معيدين.. وملتمين.. وفرحانين.. نهني كل المخلصين.. معيدين”، وتلتها أغانٍ أخرى مثل: “مبروك عيدك يا العزيز عليا”. سألتنا ابنتي عن معاني بعض الكلمات في تلك الأغاني الشعبية، فشرحناها لها بالعربية والألمانية، وعلقت والدتها قائلة: “كل أغاني العيد في ليبيا تنبض بالحب”. كانت ابنتنا في غاية السعادة وهي تتابع برامج العيد في تلفزيون بلادنا.

الحرب تغتال البهجة

فجأة، انقطع برنامج العيد ليحل محله شريط “خبر عاجل” في إطار أحمر؛ انفجارات تدوي هنا وهناك. انتقلت الفتاة إلى قناة أخرى، فإذا بالمشهد ذاته: حرب. تحولت إلى قناة ثالثة؛ لا برامج للأطفال، لا مظاهر للعيد، لا عناق بين الجيران، ولا دعوات للصفح والمغفرة. فصائل وجماعات استغلت أجواء العيد لشن هجمات هنا وهناك، وبدت الرشاشات والمدافع وكأنها تخرج من شاشة التلفاز. قالت الفتاة بأسى: “الآن الساعة العاشرة صباحًا، وقد اكتفيت من بهجة العيد. شكرًا لكما، سأذهب إلى المدرسة لألتقي بصديقاتي من مختلف البلدان والأديان والأعراق لأقضي بقية اليوم الدراسي. في المدرسة أشعر براحة أكبر من هنا، حيث لا تلفاز يفيض بالدم والدمار”.

ساعتان تكفيان للعيد

عندما سألتها المعلمة: “أليس اليوم عيدكم، وقد منحتكِ إذنًا بالغياب؟”، أجابتها: “لقد تعرضت لهجوم من تلفزيون بلادي أفسد عليّ فرحتي، ولهذا فررت إليكِ”. طمأنتها المعلمة قائلة: “أنتِ في أمان الآن، لا تقلقي ولا تخافي. لكن لم يكن ينبغي لكِ أن تتركي العيد، فهو احتفالكم المقدس”. فردت الفتاة: “أنا أعيش الوقت بالطريقة الألمانية؛ يومي يتكون من أربع وعشرين ساعة، منحت العيد منها ساعتين، وأريد قضاء بقية الساعات بين كتبي. ساعتان تكفيان للعيد يا معلمتي، وما تبقى من وقتي مخصص لطلب العلم. لا أريد أن تفوتني ولو شذرة واحدة من الدروس، فالإجازات بشتى أنواعها تعطّل مسيرتي، ولن أهبها كل وقتي”. علقت المعلمة بالقول: “كنا في نقاش مع إدارة المدرسة لجعل عيدي الفطر والأضحى عطلة رسمية، على الأقل داخل المدرسة إن لم يكن في الولاية بأكملها، وسنستطلع آراء طلابنا من كافة الأديان والأعراق حول هذا الشأن، فما رأيكِ؟”. فأجابتها الفتاة حاسمة: “أنا لا أوافق على هذا المقترح؛ فكما قلت لكِ: ساعتان تكفيان للعيد”.

محمد الأصفر

روائي ليبي مقيم في بون

أمل باللغة الألمانية

يلا